أحمد بن محمد القسطلاني
58
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
الانشقاق . والقصار إلى آخره ، كلها أقوال . واستنبط من الحديث صحة اقتداء المفرض بالمتنفل لأن معاذًا كان فرضه الأولى والثانية نفل لزيادة في الحديث عند الشافعي ، وعبد الرزاق ، والدارقطني : هي له تطوع ولهم فريضة . وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح . وصرح ابن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه ، فانتفت تهمة تدليسه ، وهذا مذهب الشافعية والحنابلة خلافًا للحنفية والمالكية . واستنبط منه أيضًا تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين . ورواة الحديث الأول أربعة ، وهو مختصر ، والظاهر أن قوله في الحديث الثاني : فصلّى العشاء إلى آخره ، داخل تحت الطريق الأولى . وكان الحامل له على ذلك أنها لو دخلت على ذلك لما طابقت الترجمة ظاهرًا ، لكن لقائل أن يقول : مراد البخاري بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته ، واستفاد بالطريق الأولى علو الإسناد ، كما أن في الطريق الثانية فائدة التصريح بسماع عمرو بن جابر ، وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجة . 61 - باب تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِي الْقِيَامِ ، وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ( باب ) حكم ( تخفيف الإمام في القيام ، وإتمام ) أي مع إتمام ( الركوع والسجود ) وخص التخفيف بالقيام لأنه مظنة التطويل ، فهو تفسير لقوله في الحديث ، الآتي إن شاء الله تعالى ، فليتجوز لأنه لا يأمر بالتجوّز المؤدي إلى إفساد الصلاة . 702 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ : حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ : " أَنَّ رَجُلاً قَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلاَةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلاَنٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا . فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أحمد بن يونس ) نسبه لجده لشهرته به ، وأبوه عبد الله ( قال : حدّثنا زهير ) بضم الزاي ، ابن معاوية الجعفي ، ( قال : حدّثنا إسماعيل ) بن أبي خالد ( قال : سمعت قيسًا ) هو ابن حازم ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( أبو مسعود ) عقبة بن عمرو البدري الأنصاري ( أن رجلاً ) لم يسمّ ، وليس هو حزم بن أُبي بن كعب ( قال : والله يا رسول الله ، إني لأتأخر عن صلاة الغداة ) لا أحضرها مع الجماعة ( من أجل فلان ، مما يطيل بنا ) أي من تطويله . من أجل ، من : ابتدائية متعلقة بأتأخر ، والثانية مع ما في حيزها بدل منها ، فما مصدرية . وخص الغداة بالذكر لتطويل القراءة فيها غالبًا ( فما رأيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في موعظة ) حال كونه ( أشد غضبًا ) بالنصب على التمييز ( منه يومئذٍ ) أي يوم أخبر بذلك ، للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه ، أو لإرادة الاهتمام بما يلقيه عليه الصلاة والسلام لأصحابه ، ليكونوا من سماعه على بال ، لئلا يعود من فعل ذلك إلى مثله ، ( ثم قال ) عليه الصلاة والسلام : ( إن منكم منفرين ) بصيغة الجمع ( فأيكم ) أي : أي واحد منكم ، ( ما صلّى بالناس ) بزيادة ما لتأكيد التعميم ، وزيادتها مع أي الشرطية كثير ، ( فليتجوز ) جواب الشرط ، أي فليخفف ، بحيث لا يخل بشيء من الواجبات ( فإن فيهم الضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة ) تعليل للأمر المذكور ، ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بصفة من المذكورات ، أو كانوا محصورين ورضوا بالتطويل لم يضر التطويل لانتفاء العلة . وقول ابن عبد البر إن العلة الموجبة للتخفيف عندي غير مأمونة ، لأن الإمام وإن علم قوة من خلفه فإنه لا يدري ما يحدث بهم من حادث ، شغل ، وعارض من حاجة ، وآفة من حديث بول أو غيره ، تعقب بأن الاحتمال الذي لم يقم عليه دليل ، لا يترتب عليه حكم ، فإذا انحصر المأمومون ورضوا بالتطويل ، لا يؤمر إمامهم بالتخفيف لعارض لا دليل عليه . وحديث أبي قتادة أنه ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال : إني لأقوم في الصلاة وأنا أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي ، فأتجوز كراهة أن أشق على أمه يدل على إرادته عليه الصلاة والسلام أولاً التطويل ، فيدل على الجواز ، وإنما تركه لدليل قام على تضرر بعض المأمومين ، وهو بكاء الصبي الذي يشغل خاطر أمه . ورواة هذا الحديث كلهم كوفيون ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ، والتحديث والإخبار والسماع والقول . 62 - باب إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا صلّى ) المرء ( لنفسه فليطول ما شاء ) نعم اختلف في التطويل حتى يخرج الوقت . 703 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ . وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ » . وبالسند قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ) رضي الله عنه ( أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال ) : ( إذا صلى أحدكم ) إمامًا ( للناس ) فرضًا أو نفلاً تشرع الجماعة فيه ،